خليل الصفدي
461
أعيان العصر وأعوان النصر
407 - بكتمر « 1 » الأمير سيف الدين الساقي الناصري . كان أولا من مماليك المظفر بيبرس « 2 » الجاشنكير ، ولما استقر السلطان بعد مجيئه من الكرك أخذه ، ودخل في مماليكه ، ولهذا كان غريبا في بيت ماله خوش داش جميع الخاصكيّة مع أرغون الدوادار ، ولما أمسك السلطان الأمير سيف الدين طغاي الكبير ، وكان تنكز في دمشق يترامى إليه ، ويتعلّق عليه ، جهّز السلطان ، يقول له : هذا بكتمر الساقي يكون لك بدلا من طغاي ، واكتب إليه بما تريد من حوائجك ، وعظم بكتمر ، وعلا محله ، وطار ذكره ، وكان السلطان لا يفارقه ليلا ولا نهارا ، إلّا أن كان في الدور ، وهو إمّا أن يكون في بيت بكتمر أو بكتمر عنده ، وزوّجه أم أحمد ، وهي جارية السلطان وحظيّته ، ولا يأكل السلطان إلّا في بيت بكتمر ، مما تطبخه له أم أحمد في قدر فضّة ، وينام عندهم ويقوم ، وكان الناس ما يعتقدون إلّا أن أحمد ولد السلطان ، مما يطيل حمله وتقبيله ، وقد تقدم ذكر أحمد المذكور في الأحمدين . ولما شاع ذكر بكتمر ، وقربه من السلطان ، وتسامع الناس به ، قدّموا له غرائب كل شيء ، وأهدوا إليه كل شيء نفيس ، ومهما حمل إلى السلطان من نوّاب الشام وغيرهم ، كان له مثله أو قريبا منه ، والذي يجيء للسلطان غالبه يصل إليه ، إلى أن عظمت أمواله ، وظهرت أعماله . وكان من أحسن الأشكال ، وأظرف الأشخاص التي تزول برؤيتها الأنكاد والأنكال ، طلق المحيا بسّاما ، حلو الكلام كأن ألفاظه الدر نظاما ، كأنما جسمه بلّار ، وخدّاه ذوب عقيق أو جلّنار ، أشقر بحواجب سود ، وعيون مثلها وجفون ، قلما يرى في الناس مثلها مستعذبا لطيفا بمن يقصده ، رؤوفا بمن يلتجئ إليه ويرصده ، لا ترد له إشارة ، ولا يعطّل السعد عشاره ، فهو عبارة عن الدولة وسلطانها ، وهو المتمتع بنيل أوطارها في أوطانها ، وإذا ركب كان بين يديه ظمئتا عصا نقيب ، وإذا نزل إلى إصطبله فهي زورة حبيب غفل عنها الرقيب ، عمّر له السلطان إصطبلا على بركة الفيل على الجسر الأعظم ، وفيه دار قلّ أن رأت مثلها العيون ، أو اقتضتها من الأماني ديون . أخبرني نور الدين الفيومي ، وكان شاهدا على هذه العمارة وهو صاحبي ، أن نفقة
--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 2 / 1308 ، والوافي بالوفيات : 10 / 193 ، وبدائع الزهور : 1 / 464 ، وشذرات الذهب : 6 / 104 ، والمنهل الصافي : 13 / 390 . ( 2 ) سبق ذكر ترجمة له . ( انظر : النجوم الزاهرة : 8 / 232 - 276 ) .